تحالف ’اسلامي’ لمكافحة الإرهاب… ما بين الاضطرار والاضداد

تحالف ’اسلامي’ لمكافحة الإرهاب… ما بين الاضطرار والاضداد

جاء الإعلان المفاجئ من قبل المملكة العربية السعودية عن تحالف “إسلامي” ضد الأرهاب تنخرط فيه نحو 34 دولة عربية واسلامية كدليل اخر على سياسة “الهروب للأمام” التي باتت المملكة تتبعها في ملفاتها الخارجية منذ إطلاقها “عاصفة الحزم” في آذار/مارس الماضي. بالطبع يوجد تشابهات لا تخفى على أي متابع بين التحالف الجديد وتحالف عاصفة الحزم خصوصا في طريقة وتوقيت الإعلان عنهما لكن الاختلافات بين التحالفين كبيرة بقدر الرقعة الجغرافية التي تضم الدول المشاركة في التحالف الجديد.

وفي عودة بالذاكرة للحظة اطلاق عمليات “عاصفة الحزم” فانه ومنذ اللحظة الأولى ظهرت علامات استفهام كبرى حول حقيقة دور كل من سلطنة عمان ومصر وباكستان في هذه العمليات، في ظل مبالغات صحفية وإعلامية كبيرة واكبت بدء العمليات الجوية وصلت في بعض المراحل الى ذكر تفاصيل لم تحدث على الإطلاق. سلطنة عمان لم تشارك بأي صورة من الصور في العمليات الجوية للقوة الخليجية، لكنها أعلنت دعمها للعمليات وقامت باستقبال الرئيس اليمني المستقيل عبد ربه منصور هادي ومكنته من السفر إلى السعودية. باكستان أعلنت عدة مرات على لسان وزير دفاعها أنها لم تتخذ حتى الآن قراراً بالمشاركة في العمليات العسكرية في اليمن و لم ترسل اي قوات او معدات عسكرية الى هناك لكنها تؤيد هذه العمليات ومستعدة لحماية السعودية في حال “تعرضت لأي مخاطر” وهذا تعارض من اعلان غرفة العمليات المشتركة الصريح عن مشاركة باكستان في عمليات “عاصفة الحزم”.

السعودية

أما بالنسبة لمصر فإن الوضع أكثر غموضاً وتعقيداً حيث كان واضحا انها فوجئت بالاعلان السعودي عن مشاركتها في “عاصفة الحزم” لأن الوقائع اثبتت ان مصر لم تشارك في العمليات العسكرية منذ البداية بل كانت المشاركة الفعلية بعد نحو اسبوع من الأعلان السعودي وكانت هذه المشاركة هزيلة بالمقارنة بما تستطيع مصر تقديمه في عمليات عسكرية مثل هذه وهي تشارك بعدد محدود من القطع البحرية والمقاتلات رافضة بشكل قاطع اي تواجد بري لها في العمليات العسكرية على الأرض في اليمن في حين ان السودان شارك بالفعل ميدانيا بجانب الأمارات والبحرين والسعودية وهذا الموقف المصري كان محل انتقاد متكرر من قبل الإعلام السعودي على مدار الأشهر الماضية.

ومن هذه النقطة نستطيع أن نربط بين “عاصفة الحزم” و”التحالف الإسلامي” الجديد، فالتعجل كان السمة الأساسية في طريقة الإعلان عنهما ، فـ”عاصفة الحزم” بدأت مباشرة قبل بدء القمة العربية في شرم الشيخ، وتم فيها الإعلان عن مشاركة مصرية وباكستانية لم تكن قد حدثت فعليا، و التحالف الإسلامي تم الإعلان عنه بشكل مفاجئ ايضا دون معرفة عدد كبير من اعضائه بتواجدهم في هذا التحالف “مصر ولبنان” كمثال، التعجل في اعلان عاصفة الحزم كان لقطع الطريق على مجهود قامت به مصر وسلطنة عمان لبدء مشاورات ولقاءات كانت ملامحها بدأت تتبلور في الشهر الأخير قبل انطلاق عاصفة الحزم.

إذن نستطيع القول إن التحالف الاسلامي الجديد يضم 34 دولة هي: السعودية والأردن والإمارات وباكستان والبحرين وبنغلاديش وبنين وتركيا وتشاد وتوغو وتونس وجيبوتي والسنغال والسودان وسيراليون والصومال والغابون وغينيا وفلسطين وجمهورية القمر الاتحادية وقطر وكوت دي فوار والكويت ولبنان وليبيا والمالديف ومالي وماليزيا ومصر والمغرب وموريتانيا والنيجر ونيجيريا واليمن، بأنه تحالف “اضطراري واجباري” نظرا لأن اكثر من نصف هذه الدول تعاني اقتصاديا و يعيش بعضها على المعونات الخليجية و غير الخليجية ولا تشكل في مجملها اي قوة عسكرية مهمة مثل ( بنغلاديش – بنين – تشاد – توغو – جيبوتي – السنغال – السودان – سيراليون – الصومال – الغابون – غينيا – فلسطين – جمهورية القمر الاتحادية – كوت دي فوار – المالديف – مالي – موريتانيا – النيجر – اليمن  ، هو تحالف من المفترض حسب الأعلان السعودي انه مشكل تحت مظلة قوانين منظمة التعاون الإسلامي لكنه في نفس الوقت يغيب عنه  23 دولة من دول المنظمة ، “و كان لافتا الإعلان عن مشاركة فلسطين في هذا التحالف في ظل الظروف السياسية و الميدانية الحالية للسلطة الفلسطينية و هذا في حد ذاته من دلائل الصبغة الدعائية لهذا التحالف”.

لعل الملاحظة الأبرز فيما يتعلق بهذا التحالف هو ردود فعل بعض الدول العربية التي تم الأعلان عن مشاركتها في التحالف وخصوصا مصر ولبنان، وزارة الخارجية والمغتربين نفت اي علم لها بتفاصيل هذا التحالف الجديد، كما اكدت مصر عبر مصادر صحفية ودبلوماسية انها لن تحسم مشاركتها في هذا التحالف بأي قوات عسكرية من عدمها في المدى المنظور لأسباب عديدة منها عدم وضوح أهداف هذا التحالف ولا نطاق عمله الجغرافي كما ان تواجد دولا مثل “تركيا و قطر” في هذا التحالف يجعل من الصعب على مصر المشاركة جنبا الي جنب مع هذه الدول المعادية لنظام الحكم القائم في مصر، هذا التحالف الجديد يعتبر ايضا ضربة اخري للخطوات المصرية السابقة لتشكيل قوة عربية مشتركة و يمثل الأعلان عن هذا التحالف عشية انعقاد المجلس التنسيقي المصري السعودي علامة استفهام مهمة ربما يكون رد الفعل المصري قد فسر كثيرا من تفاصيلها.

وعلى الرغم من الترويج السعودي لهذا التحالف على انه “تحالف إسلامي” الا ان اسماء مهمة تحارب الإرهاب وتعاني منه غابت من أبرزها إيران وسوريا والعراق والجزائر وسلطنة عُمان وأفغانستان واندونيسيا و هي دول لها وزنها العسكري و الاقتصادي و السياسي . ولعل الغياب السوري و الايراني و العراقي يؤكد ان السعودية تحاول اضفاء صبغة طائفية “سنية” علي التحالف الجديد الذي ربما يشكل مدخلا من مداخل تدخل عسكري تقوده السعودية في سوريا تحت عنوان “اسلامي” “وزير الخارجية السعودي ألمح الى انه تدور مناقشات حول ارسال قوات خاصة الى سوريا”. السعودية بهذا الأعلان تحاول تنصيب نفسها في قيادة تحالف عسكري يضم دولا عريقة في التاريخ العسكري مثل مصر و تركيا و باكستان وهذا بالنسبة لمصر وباكستان يعد استفزاز جديدا يضاف الى سابق ما تحدثنا عنه في ما يتعلق بعاصفة الحزم لكنه يشكل ايضا “طوق نجاه” لتركيا التي تجد نفسها حاليا في وسط “محيط أقليمي عدائي” افرزته سياسات الحكومة التركية تجاه سوريا و العراق .

تركيا في هذا التحالف هي الفائز الأكبر ، فالسعودية أعلنت صراحة وقوفها بجانب تركيا في أزمتها مع روسيا و هي تشكل معها بالأضافة الى قطر الثالوث الداعم للمجموعات الأرهابية في سوريا ، و في حالة بلورة “صيغة ما” لتدخل عسكري لهذا التحالف في سوريا فإن الفرصة ستكون سانحة لها لتحقيق ما فشلت سياسات أردوغان منذ عام 2011 في تحقيقه في سوريا ، بالطبع هذه المقاربة لا تضع في الأعتبار ان روسيا الأن تعتبر الميدان السوري ميدانا روسيا خالصا بدأت يشهد تصاعدا في التواجد العسكري الميداني للجيش الروسي علي الأرض خصوصا بعد حادث أسقاط قاذفة السوخوي.

عليه، فان التحالف الجديد هو تحالف دعائي يعتمد علي دول أغلبها لا يمتلك اي قدرات عسكرية مهمة، تحالف اضداد يحوي دولا تعادي بعضها البعض، تحالف اجباري فيه دول اكثر من نصفها يعاني ماديا وتضطر للمشاركة في تحالف مثل هذا ضمانا لمكتسبات مادية ، تحالف يقفز علي الفشل الخليجي في اليمن لمحاولة فتح جبهة جديدة في سوريا لم يتوفر لها غطاء عربي قوي فكان اللجوء للغطاء الأسلامي و الإفرو أسيوي ، تحالف حتى الأن غير واضح الأهداف و لا القدرات العسكرية ولا حتى النطاق الجغرافي الذي سيعمل فيه. تحالف من الواضح انه موجه ضد سوريا و ضد الدور الروسي فيها و بالتالي يشكل نسخة جديدة من “حلف بغداد” في خمسينيات القرن الماضي الذي انشأته الولايات المتحدة لتحجيم نفوذ الأتحاد السوفيتي المتنامي في الشرق الأوسط فهل سيكتب له النجاح ام ان مصيره سيطابق مصير حلف بغداد الذي فشل فشلا تاريخيا لم يتكرر خلال اعوام الحرب الباردة!

نشر بقلمى فى موقع العهد الأخبارى

You are not authorized to see this part
Please, insert a valid App IDotherwise your plugin won't work.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *