داعش في ليبيا… تحالف دولي آخر في الطريق؟

داعش في ليبيا… تحالف دولي آخر في الطريق؟داعش في ليبيا في محاولة إيجاد مرتكزاً له في المنطقة يعوضه خسائر سوريا والعراق

قرعت التحركات الأخيرة لعناصر تنظيم “داعش” في اتجاه منطقة المثلّث النفطي شرقي ليبيا ناقوس خطر حقيقي وعاجل بات يهدّد شمال أفريقيا بشكل عام ومصر وجنوب أوروبا بشكل خاص.
ففي ظل الإنشغال الدولي بتواجد داعش في سوريا والعراق بدأ التنظيم في محاولة إيجاد نقطة انطلاق جديدة تمثل مرتكزاً مهماً له في المنطقة، وفي الوقت نفسه تعوّضه عن الخسائر المادية الكبيرة التي لحقت بنشاطه التجاري الأول وهو “تجارة النفط” وهذا ما جعله يوسّع من هجماته على منطقة المثلّث النفطي.إذا نظرنا بتمعن إلى الموقف الميداني لعناصر تنظيم داعش في ليبيا سنجد أن التنظيم يتواجد بشكل أساسي في المناطق الساحلية شمال شرق ليبيا، حيث تمثّل الأراضى التي تتواجد فيها قوات التنظيم في هذا القطاع جناحين يقعان شرق وغرب المثلث النفطي. شرقاً يتواجد في شريط بطول حوالى 300 كم يبدأ من الأحياء الشرقية لمدينة بنغازي مروراً بمدن الأبرق والبيضاء والمرج ودريانة وصولاً إلى مدينة درنة التي كانت أول مدينة يسيطر عليها التنظيم فى تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.
غرباً يتواجد التنظيم في شريط بطول 250 كم يبدأ من مدينة سرت التي سيطر عليها التنظيم في شباط/ فبراير 2015 وصولاً إلى مدينة بن جواد التي تُعَدّ المدينة الأحدث التي يسيطر عليها التنظيم حتى الآن.
باتت منطقة المثلث النفطي “البريقة – رأس لانوف – أجدابيا” الهدف الأساسي والطبيعي لعناصر التنظيم لأسباب عديدة أهمها الطابع الاقتصادي لهذه المنطقة وحقيقة أن سقوطها في قبضته يجعل الشريط الشمالي الشرقي الليبي بالكامل تحت سيطرته وتجعله يقترب كثيراً جداً من العاصمة طرابلس التي بالفعل له تواجد في عدد من مناطقها مثل صبراتة ومصراته وصرمان ومن الحدود الغربية لمصر التي لن يفصله عنها سوى مدينة طبرق.
أطلق التنظيم منذ أواخر الشهر الماضي هجمات مركّزة ومدروسة تجاه مناطق المثلث النفطي. في الجزء الجنوبي هاجم مدينة أجدابيا من المحور الغربي الذي يحتفظ فيه بنقاط تمركز وحاول استهدافها أيضاً عن طريق الهجوم عن طريق البحرعلى مدينة الزويتينة التي تقع شمال غرب أجدابيا، لكن تصدّت له قوات حرس المنشآت النفطية الموالية لقائد الجيش الوطني الليبي “خليفة حفتر”.
كان الهدف الرئيسي لهذا الهجوم غير الناجح هو محاولة السيطرة على طريق أجدابيا – البريقة بشكل يسمح بعزل قوات الحرس ومنع الإمداد عنها. نفّذ التنظيم بالتزامن مع هذا الهجوم هجمات أخرى استهدفت مدينة رأس لانوف وتحديداً بوابات الحراسة الخاصة بمنطقة الحقول النفطية، واستهدف أيضاً صهاريج النفط في ميناء السدرة لكنه لم يتمكن من إدامة سيطرته على بوابات رأس لانوف وتمكّن من تدمير خط أنابيب رئيسي جنوبها. هذه الهجمات على رأس لانوف والسدرة هي الموجة الثالثة التي تتعّرض لها المنطقتان منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي وحتى الآن، لم يكتفِ التنظيم في هذه الحملة باستهداف المثلّث النفطي، بل عزّز من هجماته تجاه غرب بنغازي وفي اتجاه طرابلس نفّذ التنظيم تفجيراً انتحارياً ضد مركز تدريب للشرطة في زليتن على تخوم طرابلس الشرقية.
وعلى الرغم من أن هذه الحملة في الإجمال لم تؤدِ إلى تقدم مهم للتنظيم على المستوى الميداني إلا أنها أدّت إلى بسط سيطرة التنظيم على مدينة بن جواد.
فرض الانقسام السياسي والعسكري القائم في ليبيا حالياً بظلاله على الجهود المحلية للتصدي لتقدّم التنظيم في ليبيا، فقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر تواجه برياً قوات التنظيم في عدة مناطق في الشرق على رأسها أجدابيا وجويا عن طريق طلعات قتالية من قاعدتي طبرق وبنينا الجويتين استهدفت قوات التنظيم شرق بنغازي.
ويُعتبر هذا المجهود الجوي المجهود الرئيسي ضد التنظيم خصوصاً وأن قوات “فجر ليبيا” المناوئة لقوات الجيش الوطني تنفّذ غارات جوية قليلة الوتيرة على معاقل التنظيم في درنة وعلى تخوم طرابلس انطلاقاً من مصراتة، كما تتصادم ميدانياً مع قوات داعش انطلاقاً من الأحياء الغربية لبنغازي. وعلى ما يبدو لم تؤثّر هذه التحركات على معدل تقدم تنظيم داعش الميداني، وبالتالي بدأ الحديث محلياً ودولياً عن خطة مرتقبة لتشكيل تحالف عسكري إقليمي لمواجهة قوات داعش في ليبيا، وتعتبر كل من “مصر – إيطاليا- الجزائر – تونس – فرنسا – الولايات المتحدة – اليونان – قبرص” هي الدول المرشّحة لتشكيل مثل هذا التحالف نظراً لارتباط أمنها الإقليمي ومصالحها ارتباطاً مباشراً أو غير مباشر بليبيا.

مصر والجزائر أكثر الدول المعنية عربياً

بالنسبة لمصر نستطيع أن نعتبرها أكثر دولة معنية بالوضع الميداني في ليبيا نظراً لأنها تواجه بالفعل خطر داعش في حدودها الشرقية، وترى هذا الخطر يقترب حثيثاً من حدودها الغربية وهي أول دولة نفّذت فعلياً تحركات عسكرية في الميدان الليبي ضد داعش منذ شباط/ فبراير 2015 وحتى الآن، حيث داومت المقاتلات المصرية خلال هذه الفترة على استهداف مواقع التنظيم في مدينة درنة انطلاقاً من قاعدة مرسى مطروح الجوية بجانب عمليات إغارة نفّذتها القوات الخاصة المصرية “القوة 999” وعمليات أخرى نفّذتها المخابرات المصرية لتحرير مخطوفين مصريين في ليبيا، مع استمرار الدعم العسكري المصري للجيش الوطني الليبي سواء بالذخيرة والعتاد العسكري أو بالتدريب والدعم المعلوماتي، وهو ما أشرنا اليه في مقال سابق .
كان التحرّك المصري ولا زال منفرداً، لكن انضمت إليه الإمارات العربية المتّحدة، ومن الواضح أن مصر من حيث المبدأ ترفض التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا
وتفضّل أن يكون أي تحالف مُحتمل ضد داعش إقليمي الصبغة على أبعد تقدير، وعربي الصبغة إن أمكن لاعتبارات عديدة يحكمها ارتباط الأمن القومي المصري بصفة وثيقة بليبيا، وهذا الاتجاه بدأ يتبلور فعلياً بعد البيان الأخير للخارجية الروسية الذي أكّد على “تنسيق بين موسكو والقاهرة لإعداد خطط لمكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا”، وقد تنضم في هذا الإطار قبرص واليونان إلى أي عمل عسكري مصري مستقبلي نظراً لتطور علاقاتهما بالقاهرة وتطابق الرؤية في ما بينهم في ما يتعلق بالشأن الليبي الذي يؤثّر قطعاً على جنوب أوروبا.
بالنسبة إلى الجزائر كان وما زال موقفها غامضاً من التطورات في ليببا. فقد رفضت أوائل العام الماضي تنفيذ أي عمليات داخل ليبيا، وجعلت استراتيجيتها الأساسية تحصين حدودها مع ليبيا ومواجهة محاولات تهريب الأسلحة، لكنها في الوقت نفسه أعلنت بوضوح أنها ضد التدخل الأجنبي في ليبيا وبالتالي تبقى احتمالات انضمامها إلى أي تحالف عسكري مرهونة بتغير رؤيتها الاستراتيجية للوضع الميداني في ليبيا، والتي تطابق حتى الآن الرؤية التونسية التي فضّلت حتى الآن “النأي بالنفس” عن أي انخراط في الميدان الليبي برغم تكرر حوادث استهداف قوات الجيش التونسي على الحدود المشتركة والتي كان آخرها تعرض موقع في منطقة بئر المقرون لهجوم مسلّح، والحجة التونسية في هذا النهج تتلخّص في الاحتجاجات الشعبية والأزمات السياسية التي تعيشها حالياً. 

الدور الأوروبي الأكثر تسارعاً

أما في ما يتعلق بالدور الأوروبي فيبدو أنه أكثر تسارعاً، إيطاليا أعلنت عن تمركز نحو 4 مقاتلات من نوع “AMX” وطائرات من دون طيّار من نوع PREDAOTR” في القاعدة الإيطالية “تريبياني – بيرجي” في جزيرة صقلية كإجراء احترازي تحسباً لتطور الموقف الميداني في ليبيا، وتبع هذا الإجراء تنفيذ الطائرات الإيطالية من دون طيّار لطلعات فوق درنة، وتنفيذ جسر جوي لنقل جرحى تفجير زليتن الانتحاري للعلاج.

يتقاطع هذا التحرك مع ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية حول إعداد فرنسا لاحتمالية تنفيذ طلعات جويّة قتالية في ليبيا انطلاقاً من قاعدة “مادما” في النيجر، وتنفيذ طائرات تابعة لسلاحها الجوي لطلعات تدريبية أمام السواحل الليبية منها طائرات التزوّد بالوقود C135.

كما تحدثت صحيفة الديلي ميرور البريطانية عن قرب إرسال قوة بريطانية تتألف من 1000 جندي إلى ليبيا ضمن قوة قد تصل الى 6 آلاف جندي أجنبي لتنفيذ عمليات خاصة ضد التنظيم. وبالتالي السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو هل ستتم هذه العمليات بالتنسيق مع الجيش الليبي والدول الإقليمية وخصوصاً مصر والجزائر، أم أننا سنشهد نفس سيناريو الضربات الغربية على داعش في سوريا والعراق والتي أثبت التدخل الروسي في سوريا أنها لم تكن لها أي فعالية تُذكر؟

على ما يبدو فإن الاحتمال الثاني هو الأقرب، وبالتالي ستكون الخيارات المُتاحة أمام الدول العربية “مصر والجزائر وتونس” هي إما ترك المهمة للتحالف الدولي المُحتمل مع ما يقتضيه ذلك من مخاطر بالنظر إلى النتائج التي انبثقت من التدخل المماثل فى سوريا وليبيا، أو محاولة إيجاد صيغة مشتركة لعمل عسكري محدود
أو واسع النطاق الزمني والجغرافي تنفّذه البحريات والقوات الجوية للدول الثلاث استباقاً لأي تدخل أوروبي قد يدفع بالمنطقة الى مزيد من التدهور الأمني، مصر في الميدان فعلياً فهل تنضم إليها تونس والجزائر؟

*نشر بقلمى فى موقع الميادين نت

You are not authorized to see this part
Please, insert a valid App IDotherwise your plugin won't work.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *